لماذا نشعر أحيانًا بشيء ينقصنا رغم وفرة ما نملك؟
نحن نعيش في زمنٍ تبدو فيه الحياة مليئة بالخيارات: أطعمة شهية، وسائل ترفيه لا تنتهي، فرص عمل وسفر وتعلم… ومع ذلك، يتسلل إلينا بين الحين والآخر شعور داخلي بالغربة، بالحيرة، أو حتى بالحزن غير المفهوم. وكأننا، في عمقنا، نفتقد شيئًا لم نعرفه حقًا من قبل… شيئًا لا يُشترى ولا يُرى.
هذا “الشيء” هو نداء الفطرة.
إنه الصوت العميق في أعماقنا الذي يقول: أريد أن أعود… لكن لا أعلم إلى أين بالضبط.
إنه الحنين الصامت الذي لا توجهه جغرافيا، بل توجهه الروح نحو أصلها.
ما هي الفطرة؟
الفطرة ليست فقط مجموعة قيم خُلقت معنا، بل هي ذاكرة مقدسة في الروح، تعرف طريق العودة إلى الله، حتى وإن تاهت النفس في زحمة العالم.
هي البوصلة التي تظل تشير نحو النور، مهما دارت بنا الأيام، ومهما تكدّست فوقها الغفلة، أو تراكمت طبقات الألم.
الفطرة هي النقاء الأصلي الذي يشتهيه الإنسان، لأنه يشعر في أعماقه أنه ليس مخلوقًا للضياع، بل للسكينة، ليس للتيه، بل للاتصال. وكل مرة نبتعد عن حقيقتنا، تعود هي لتوقظنا، بلغةٍ لا يفهمها المنطق وحده، بل يتلقاها القلب.
هل الفطرة تنطفئ؟
قد تُنسى، وقد تُخدّر، وقد تُشوَّه… لكنها لا تموت.
وكل مرة نشعر فيها أن الحياة رغم “كمالها” لا تشبعنا… فهذه لحظة من لحظات عودة الفطرة.
الفطرة تُطل علينا عندما:
نشتاق للسكينة دون أن نعرف مصدر القلق.
نشعر أن علاقاتنا لا تكفينا رغم كثرتها.
نتأمل في شيء بسيط كزرقة السماء فنشعر بشيء عميق لا يمكن التعبير عنه.
إنها لحظة تقول فيها النفس: “أنا لست فقط ما أملكه أو أفعله… أنا أعمق من ذلك… أنا روح.”
العودة إلى الأصل
العودة إلى الفطرة ليست حركة زمنية نعود بها إلى الوراء، بل هي انكشاف داخلي نبدأ به من حيث نحن. حين نتوقف، ونصغي، ونجرؤ أن نُسائل: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ من خلقني؟ ماذا يريد الله لي؟
حينئذ، تبدأ رحلة العودة… لا للوراء، بل للأصل.
هي عودة من الخارج إلى الداخل.
من الاضطراب إلى الاتساق.
من التشظي إلى الوحدة.
ومن الغربة إلى الله.
تمرين تأملي: “لحظة صمت مع الفطرة”
اختر مكانًا هادئًا، واسمح لنفسك بدقيقتين فقط دون صوت، دون هاتف، دون ضجيج.
أغمض عينيك، ووجّه سؤالًا لقلبك: “ما الذي أشتاق إليه دون أن أعرفه؟”
لا تُجب بالعقل… فقط استمع لما قد يظهر، ربما في صورة شعور أو ذكرى أو همسة.
سؤال تفكّري:
متى كانت آخر مرة شعرت فيها أن شيئًا بداخلك يحنّ إلى ما هو أعمق من هذه الحياة؟

اترك تعليقاً