عندما يصبح العطاء وسيلة للهروب من النفس

عندما يصبح العطاء وسيلة للهروب من النفس
عن دور المنقذ كقناعٍ نفسي، والخوف من مواجهة الفراغ الداخلي
يُنظر إلى العطاء عادةً كقيمة نبيلة، وكأحد أجمل ما في الإنسان من صفات. أن نكون داعمين، حاضرين للآخر، مساندين في الأوقات الصعبة… كل هذا يحمل نورًا حقيقيًا.
لكن، ماذا لو لم يكن هذا النور دائمًا نقيًا؟
ماذا لو اختبأ بعضنا خلف دور “المنقذ”، لا بدافع الحب، بل خوفًا من مواجهة شيء داخله؟
حين نمنح للآخرين ما لا نمنحه لأنفسنا
هناك من يعطي كثيرًا، ويهتم بالجميع، ويستمع لكل ألم… لكنه لا يلتفت لنفسه.
من الخارج، يبدو قويًا، حكيمًا، منقذًا للجميع.
ومن الداخل؟
قد يكون مرهقًا، فارغًا، ويتهرب من مواجهة ذاته.
العطاء في هذه الحالة يصبح “ملاذًا نفسيًا“.
نهرب إليه لنشعر بالقيمة.
نمنح الآخرين لعلّنا نمنح أنفسنا شيئًا لا نعرف كيف نأخذه.
نعتني بالجميع كي لا نواجه سؤال: “لماذا لا أعتني بنفسي؟”
علامات أن العطاء قد تحوّل إلى قناع نفسي:
• تشعر بالذنب إن لم تساعد أحدًا، حتى لو كنت مرهقًا.
• تُهمل احتياجاتك العاطفية مقابل تلبية احتياجات الآخرين.
• لا تستطيع قول “لا”، وتخاف أن تُرفض أو تُنتقد.
• تشعر بالفراغ أو الحزن رغم أنك تحيط نفسك بالناس.
• تبدأ علاقاتك بالشعور بالقوة، وتنتهي بالشعور بالإرهاق والاستنزاف.
لماذا نختار هذا القناع؟
1. برمجة الطفولة:
ربما نشأنا في بيئة لا تُقدّر الشخص إلا إذا كان “نافعًا”. فتعلمنا أن المحبة تُكسب، لا تُمنح.
2. الخوف من الشعور بالعجز:
العطاء يمنح شعورًا بالقوة المؤقتة. نحن نُصلح، نُنقذ، نُقدّم… فننسى مؤقتًا ألمنا الشخصي.
3. تجنّب المواجهة الداخلية:
الانشغال بالآخرين يُغني عن الغوص في الذات، وعن الأسئلة المؤلمة التي نخشى طرحها.
كيف نخرج من هذا النمط؟
1. اسأل نفسك بصدق: لمن هذا العطاء؟ ولماذا؟
هل تعطي بدافع الحب الحقيقي؟ أم لأنك تخاف أن لا تُحَبّ إن لم تفعل؟
2. راقب مشاعرك بعد العطاء:
هل تشعر بالرضا والسلام؟ أم بالإرهاق والخذلان؟
3. درّب نفسك على “الاحتواء الذاتي”:
أن تُعطي نفسك ما تعطيه للآخرين: التفهّم، اللطف، الوقت، والاهتمام.
4. تعلّم أن تقول “لا” عندما لا تستطيع بلطف:
رفضك ليس أنانية، بل احترام لطاقتك ووجودك.
5. ابدأ برحلة الاستبصار:
واجه ما تهرب منه. ما الفراغ الذي يملأه العطاء؟ ما الألم القديم الذي تُسكته بانشغالك بالآخرين؟
كن معطاءً، لكن لا تكن غائبًا عن نفسك.
ساعد الآخرين، لكن لا تجعل نفسك آخر من يُنقَذ.
وإن كنت من المنقذين في هذا العالم، فاعلم: أنقذ نفسك أولاً.
لأن العطاء الحقيقي… لا يُولد من النقص، بل من امتلاء الروح وصدق الحضور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *