النفس ليست عيبًا يجب إصلاحه، بل رحلة تحتاج فهمًا
غالبًا ما نكبر ونحن نحمل فكرة ضمنية أن في داخلنا خللًا ما، وأن مهمتنا في الحياة هي إصلاح هذا العطب. فنحاول أن نكون أفضل، أن نتجاوز “عيوبنا”، أن نصمت ما نشعر به حتى لا نُتّهم بالمبالغة أو الضعف. لكن ماذا لو كانت النفس لا تحتاج إلى إصلاح، بل إلى إنصات؟ ماذا لو كان كل ما نراه عيبًا، هو في حقيقته بابٌ لفهم أعمق؟
في الرؤية النفسية العميقة، لا يُنظر إلى الإنسان كمجرد أعراض يجب التخلص منها، بل ككيان مليء بالطبقات، يحمل في داخله قصصًا، وندوبًا، واحتياجات لم يُلتفت إليها في وقتها. فالاكتئاب، القلق، الغضب، حتى السلوكيات التي نراها مدمّرة… ليست سوى إشارات صادقة من النفس بأنها متألمة، وتحتاج منّا أن ننتبه.
لماذا نختزل أنفسنا في أعراضنا؟
لأن العالم من حولنا يُكافئ “الأداء”، ويُقصي “العمق”. لأننا تعلمنا أن نُعرّف أنفسنا بما ننجز، لا بما نشعر. ولأننا غالبًا لا نجد من يفهمنا حين نتكلم عن الداخل، فنصمت، أو نحكم على أنفسنا بما حكم به الآخرون.
لكن في لحظة ما، يبدأ صوت النفس بالظهور. عبر حلم غريب، نوبة بكاء غير مبررة، أو إحساس داخلي أننا لم نعد نحتمل. تلك اللحظة ليست خللًا، بل دعوة.
ماذا يعني أن أفهم نفسي؟
أن تفهم نفسك لا يعني أن تُشخّص حالتك النفسية، بل أن تدخل في حوار معها. أن تسأل:
ماذا تحتاج نفسي اليوم؟
ما الذي أحاول أن أهرب منه؟
ما هي القصة التي لم يُسمح لي أن أحكيها؟
الفهم يبدأ من الاعتراف بأن ما في داخلك له حق الوجود، وأن كل مشاعر “غير مفهومة” هي دليل على شيء أعمق لم يُحتضن بعد.
بين العلاج والإصلاح
في الرؤية السطحية، نلجأ للعلاج فقط عندما نتألم بشدة.
لكن في الرؤية العميقة، نُدرك أن النفس تحتاج مرافقة دائمة، لا لأننا معطوبون، بل لأننا بشر: نتغير، نُجرَح، نبحث عن المعنى، ونحتاج أحيانًا من يُنير لنا الطريق.
العلاج النفسي الواعي لا يهدف إلى جعلك “عاديًا”، بل إلى مساعدتك على أن تكون أنت — كما أنت، بألمك وأحلامك، بضعفك ونورك.
تمرين تأملي: “كتابة من قلب النفس”
اجلس مع نفسك واكتب بلا تفكير:
“ما الذي تتمنى نفسي أن أقوله ولا أجرؤ؟”
اكتب كل ما يخطر لك، دون رقابة، دون تجميل، ودون خوف من الأحكام.
دع النفس تتكلم. قد تُفاجأ بما ستكتشفه.
سؤال تفكّري:
هل كنت أنظر إلى نفسي كخلل يجب إصلاحه؟ وكيف ستتغير علاقتي بنفسي إن بدأت أراها كرحلة تستحق الفهم؟

اترك تعليقاً