في خضمّ مشاغل الحياة، كثيرًا ما نُهمل أعظم ما فينا: الروح.
لسنا مجرد جسدٍ يتحرك، ولا عقلٍ يُفكر، بل روحٌ نُفخت من أمر الله. هي جوهرنا الأصيل، ونافذتنا على الغيب، لكن… متى كانت آخر مرة أنصتنا فيها لهذا الجوهر؟ متى سكتنا عن ضجيج الخارج لنسمع ما في الداخل؟
صوت الروح ليس صاخبًا، لا يُزاحم ولا يُجادل.
هو خافت، هادئ، كنبضٍ داخلي لا يُخطئ طريقه.
إنه يهمس حين نسكن، يُحذّر حين ننحرف، ويضيء حين نقترب من الحق.
لكننا نغلق عليه الأبواب.
نغطيه بـضجيج المهام، الآراء، المخاوف، وحتى الخطاب الديني الخارجي الذي قد يُقال بصدق، لكنه لا يلامس قلبًا متعبًا أو باحثًا ضائعًا.
الروح لا تحتاج إلى الكثير من الكلام،
هي تعرف الله بطريقتها، وتصل إليه دون فلسفة،
يكفيها: صدق، وسكون، وطلب نابع من القلب لا من اللسان.
عندما نصغي لصوت الروح، تبدأ الرحلة…
رحلة العودة إلى الذات، ثم إلى الله.
لأن الروح لا تأخذنا بعيدًا، بل تعيدنا إلى ما كنّاه قبل أن نتشوه،
قبل أن تجرّنا التوقعات، والعُقَد، والندوب، والتكيّف الزائف.
ولكن، الصدق مع الروح يتطلب شجاعة.
لأن صوتها يكشف، لا يُزيْن.
ينبهك إلى العلاقات التي تُطفئك، والطرقات التي لا تُشبهك، والحياة التي بنيتها على الخوف وأسمَيتها “استقرارًا”.
لهذا، نخشى صوتها أحيانًا.
نخشى أن تهدّ ما استقرّ.
لكن، إن استجبنا لها رغم الخوف…
وجدنا الطمأنينة التي لا تُشبه أي طمأنينة.
الروح تُحب الحق، تفرح بالنور، وتحزن حين نُقصيها أو نكذب على أنفسنا.
الروح تُعاش، لا تُعرّف
نُكثر من الحديث عن الروح، ولكن قلّ من يُصغي لها حقًا.
نظنها معلومة، وهي تجربة.
نظنها خيالًا، وهي أوضح ما فينا حين نصمت.
ولهذا، إن أردت أن تقترب من الله،
لا تبدأ فقط من ظاهر سلوكك… بل من أعماقك:
هل منحت روحك فسحة؟ هل وضعت يدك على قلبك وسألت: ماذا تحتاج روحي اليوم؟
قد تحتاج لحظة بكاء، أو انسحابًا من فوضى، أو صلاةً دون طلب، فقط لتكون معه.
سؤال تأملي:
“إن جلست مع نفسك، وسألت روحك بصدق: ماذا تحاولين أن تقولي لي منذ زمن؟
ما أول شيء ينبثق من داخلك بلا فلترة ولا خوف؟”
تمرين روحي:
اجلس في مكان هادئ، أطفئ كل المشتتات، واغمض عينيك.
ضع يدك على قلبك أو منتصف صدرك.
خذ نفسًا عميقًا ببطء، ثم قل في داخلك:
“يا روحي… أنا هنا. أسمعك.”
لاحظ ما يظهر داخلك: شعور، صورة، ذكرى، رغبة…
لا تُحلل، فقط أنصت.
بعدها… اكتب في دفتر ما شعرت به.
إن الاستماع للروح ليس ترفًا تأمليًا…
بل ضرورة وجودية في عالمٍ يُشوشنا من كل الجهات.
حين نستعيد هذا الصوت، نستعيد أنفسنا…
ونبدأ في رؤية الله ليس كفكرة، بل كـأقرب حقيقة تسكننا.

اترك تعليقاً