بين الحياة اليومية واللهفة الروحية
نستيقظ، نعمل، نلتقي، ننجز، نُرهق… ونعود لنكرّر ذات الدائرة. تبدو الحياة أحيانًا كمسرحية مكتوبة مسبقًا، نُؤدي أدوارنا فيها بدقة، ولكن بشيء من الخدر. ثم، في لحظةٍ غير متوقعة — نظرة لطفل، غروب شمس، فشل مرّ، أو حتى في منتصف نجاحٍ ساحق — نشعر بشيء يهزنا من الداخل.
وكأن هناك نداءً لم نعد قادرين على كتمه…
نداء لا يطلب شيئًا، بل يفتح أسئلة:
أين الله في حياتي؟ هل أبحث عنه؟ ولماذا أشعر أحيانًا أني بعيد؟
هذا هو الحنين إلى النور.
ما هو هذا “النور” الذي نشتاقه؟
النور ليس مجرد شعور طيب، أو لحظة سكون.
النور هو وعي داخلي بأننا لسنا وحدنا، وأن وراء هذا العالم السريع والمادي قلبًا سماويًا ينبض في كل شيء.
هو لحظة يقين بأن لله حضورًا حيًا… ليس فقط في المساجد والكتب، بل في كل شيء إذا أقبلنا.
حين نشعر بالضياع… النور يقول: “أنا هنا”.
حين يثقلنا الذنب… النور يهمس: “عد إليّ”.
وحين نشتاق ولا نعرف إلى مَن، يأتي النور كإجابة لا تُقال… بل تُحس.
لماذا نضيع عن هذا النور؟
لأن الزحام كثير.
زحام الأفكار، والمهام، والمطالب، والمقارنات، والجراح، والضجيج… كلها تغطّي على الصوت الهادئ بداخلك الذي ما زال يذكر الله.
وقد نظن أننا ابتعدنا، لكن الحقيقة أن الله لا يُبتعد عنه.
هو أقرب إلينا من حبل الوريد، لكن السؤال الأعمق:
هل أنا قريب من نفسي بما يكفي لأشعر بقربه؟
الحنين إلى الله لا يعني أننا فقدناه، بل أننا بدأنا نستيقظ من الغفلة.
كيف نستجيب لهذا الحنين؟
ليس المطلوب أن نصبح كاملين فورًا، أو أن ننعزل عن الدنيا، بل أن نبدأ بصدق.
صدق في السؤال: من أنا بالنسبة لله؟
صدق في الخوف: هل أنا بعيد عنه؟
وصدق في التوق: أريد أن أعود… لكن لا أعرف الطريق.
وهنا تبدأ الرحلة: ليس من الخطيئة إلى الطاعة فقط، بل من الغفلة إلى النور، من حياة تكرّر ذاتها، إلى حياة تتجه نحوه في كل تفصيلة.
الله لا يطلب الكمال… بل القرب
الله يعرف ضعفك، ترددك، نسيانك، لكنّه يحب قلبك حين يشتاق.
ويكفي أن تقول: “يا رب، أنا أفتقدك…”
فالحنين إلى الله ليس ضعفًا، بل هو قوة الروح حين تتذكّر منبعها.
تمرين تأملي: “يوم لله فقط”
اختر يومًا هذا الأسبوع يكون لله فقط.
ليس بالضرورة أن تنعزل تمامًا، لكن ضع نية واضحة أن يكون هذا اليوم لله: في نيتك، حديثك، أفعالك، صمتك، حتى في ابتسامتك.
دوّن بعدها: ماذا شعرت؟ ما الذي تغير فيك؟
سؤال تفكّري:
ما الذي أفعله اليوم ويقودني إلى الله؟ وما الذي يبعدني عنه دون أن أشعر؟

اترك تعليقاً